🛑فرجال... news
بقلم محمد الجوراني/ البصرة
مع كل إستحقاق إنتخابي أو تشكيل حكومي جديد ، تعود إلى الواجهة مشاريع الإصلاح و التغيير و مكافحة الفساد .
غير أن التجربة العراقية الممتدة لعقدين أثبتت أن الفشل لا يأتي بالضرورة من الخارج ، بل من داخل الغرف المغلقة التي تدار فيها القرارات .
إن المعضلة الأعمق التي تهدد أي مشروع نهضوي ليست في وضوح الأهداف ، بل في طبيعة الأدوات البشرية التي تناط بها مهمة التنفيذ .
و هنا يبرز خطر داهم كثيراً ما جرى التغاضي عنه وهو ظاهرة الإنتهازية المؤسسية المتمثلة بسماسرة المراحل الانتقالية .
إن الإشكالية الجوهرية التي تعترض أي مشروع إصلاحي طموح لا تكمن بالضرورة في الخصومة السياسية المعلنة أو في جبهات المعارضة الصريحة ، بقدر ما تكمن في ظاهرة الإنتهازية المؤسسية .
وهم نخبة من الفاعلين غير المؤدلجين الذين برعوا في فن البراغماتية الإنتهازية ، و يتقنون التنقل الإنسيابي بين ممرات النفوذ و فضاءات القرار ، بغض النظر عن هوية السلطة القائمة أو طبيعة المشروع المعلن .
هؤلاء الأفراد لا تحركهم رؤية إصلاحية ولا مرجعية فكرية ولا التزام مؤسسي ، محركهم الوحيد هو منطق الغنيمة و إقتصاد المنصب .
لقد مارسوا القفز التنظيمي بين مؤسسات و أحزاب و تيارات متباينة الأيديولوجيا .. بل و متناقضة في خطابها ، بحثاً عن موقع في دائرة صنع القرار .
كانوا حاضرين بشكل مباشر أو غير مباشر ، في غرف إدارة الأزمات خلال حقبات الإختلال الإداري ، إما كشهود صامتين شرعنوا للفشل ، أو كفاعلين أساسيين ساهموا في هندسته وإدامته .
و اليوم و مع تغير موازين القوى ، نشهد البعض عبر قنوات الضغط الناعم و شبكات المجاملات و وساطات النخب التقليدية .
يعيدون تسويق أنفسهم تحت عباءة الخبرة التراكمية و الدراية بالملفات ، في محاولة لإلتقاط فرصة جديدة لإعادة إنتاج رأسمالهم الرمزي ، و تأمين إمتيازاتهم المصلحية .
و هنا لا بد من الإلتزام بقواعد إجرائية صارمة .. حيث يتعين إجراء فحص تاريخي و مهني معمق ، لكل من يسعى للولوج إلى دائرة صنع القرار في موقع ما .
لذلك يجب الأخذ بالسجل الوظيفي و المهني و المسار الأخلاقي و المواقف السابقة لكل متقدم .
فالسيرة الذاتية لا تُبنى بالعلاقات العامة ، و التاريخ المهني لا يمكن تزييفه بخطاب إنشائي .
كذلك ضرورة توفر مبدأ الكفاءة الموضوعية لا الولاء الذاتي .
حيث تتطلب المرحلة الراهنة نخباً تكنوقراطية تتمتع بإستقلالية القرار و نزاهة الذمة ، و رأسمال مهني حقيقي قائم على الإختصاص و الخبرة القابلة للقياس .
لأننا بحاجة إلى مهندسي سياسات و أصحاب مشروع لا إلى انتهازيين يجيدون الخطابة التبريرية و يقتاتون على هوامش السلطة .
إن إعادة تدوير الكوادر التي كانت جزءاً عضوياً من بنية الأزمة ، هو بمثابة خطأ إصلاحي معلن ، بل تكرار لنفس الأخطاء بأدواتها .
فاليوم في ظل ضعف مؤسساتنا و تآكل ثقة المواطن ، لا نمتلك ترف تجريب المجرب أو إعادة إنتاج نفس النخب التي أثبتت عجزها .
إن التاريخ يعلمنا أن سقوط المشاريع الكبرى لا يبدأ بهزيمة في الميدان ، بل بتآكلها من الداخل عبر محيط فاسد من الإنتهازيين ..!!
فالثقة يجب أن تُمنح حصرياً لمن آمن بالفكرة و التزم بالغاية ، لا لمن رأى في المشروع مجرد رافعة للصعود الشخصي .
فالإختيار الصحيح هو نصف المعركة ، و النصف الآخر هو حمايتهم من محيط التسلق و الإنتهاز ، و بغير ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة من إعادة إنتاج الفشل بعناوين جديدة ..!!؟؟