🛑فرجال... news
د. ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
بمناسبة معرض الكتاب في بغداد لا تبدو الكتب المعروضة على الرفوف مجرد عناوين تنتظر قارئاً عابراً بل تتحول أحياناً إلى مرايا تكشف ما يجري في العراق وما يمكن أن يجري فيه غداً. فالكتاب ليس ورقاً وحبراً فحسب إنه سؤال مكتوب وذاكرة محفوظة وفكرة تبحث عن قارئ وقد يكون أحياناً أكثر خطورة من خطاب سياسي عابر لأنه لا يكتفي بوصف الواقع بل يحاول تفكيكه ومساءلته.
ومن بين الكتب التي أثارت الجدل كتاب فكري (تخوم الوعي الديني) لمؤلفه (علي مدن) تناول قضايا شديدة الحساسية في التجربة العراقية تاريخ المؤسسة الدينية والتحولات التي شهدها التشيع والحركات الدينية والسياسية وانتفاضات العراقيين واحتجاجاتهم وعلاقة الدين بالدولة والمجتمع فضلاً عن أسئلة التدين والفردانية والهويات الجماعية وإمكان بناء تدين مسالم يتعايش مع الدولة المدنية ويحترم الدستور والقانون.
قد نتفق مع ما جاء في الكتاب وقد نختلف معه وقد نرى أن بعض استنتاجاته تحتاج إلى مراجعة أو نقد أو تفنيد. وهذا بالضبط ما يفترض أن تفعله الكتب الجادة أن تفتح باب النقاش لا أن تغلقه وأن تدفع القارئ إلى التفكير لا إلى التلقي وأن تجعل الفكرة في مواجهة الفكرة والحجة في مواجهة الحجة.لكن المشكلة تبدأ حين لا تواجه الأفكار بالنقد وإنما بالمصادرة.
حين تُسحب نسخ كتاب من معرض للكتاب ويُمنع تداولها من دون توضيح علني ومحدد للأسباب القانونية فإن القضية لم تعد مرتبطة بكتاب واحد ولا بمؤلف واحد ولا حتى بخلاف فكري عابر إنها تصبح سؤالاً عامًا عن حدود السلطة وعن الحق في المعرفة وعن المسافة التي ينبغي أن تفصل المؤسسة الرقابية عن عقل المواطن.
وهنا يبرز سؤال أكبر.. أين هي الديمقراطية إذا كنا نعيد إنتاج السلوك ذاته الذي طالما انتقدناه؟
لقد ظللنا سنوات طويلة ننتقد النظام السابق لأنه كان يتعامل مع الكتاب بوصفه خطراً ومع الكاتب بوصفه مصدراً للقلق وكانت الرقابة آنذاك تفرض سطوتها على ما يكتبه الأدباء والمثقفون فلا يجد الكاتب متنفسًا حقيقيًا لأفكاره وقد يتحول اختلافه في الرأي إلى تهمة وقد تصل تبعات الكتابة إلى السجن وأحيانًا إلى عقوبات أشد قسوة.
كنا نقول إن تلك الرقابة كانت وجهاً من وجوه الدكتاتورية وإن الدولة التي تخاف من قلم كاتب لا تثق بقوتها وإن السلطة التي تمنع السؤال لأنها تخشى الإجابة إنما تعترف من حيث لا تريد بضعف حجتها.
ماذا تغير اليوم؟ إذا كان النظام السابق يخاف من كتاب فهل يجوز أن نخاف نحن أيضاً من كتاب؟
وإذا كانت السلطة آنذاك تصادر ما يكتبه المثقف لأنها لا تحتمل اختلافه فهل تصبح المصادرة اليوم مقبولة لمجرد أن القائم بها يرتدي ثوباً قانونياً أو يأتي عبر مؤسسة رسمية؟
من الذي تخاف منه الحكومة هنا؟ من تفكير الكاتب أم من رد فعل القارئ؟
إن كان الخوف من الكاتب فهذه مشكلة دولة لا تثق بمثقفيها. وإن كان الخوف من القارئ فالمشكلة أكبر لأن ذلك يعني أن المواطن ما زال يُعامل بوصفه عقلاً ينبغي حمايته من الأفكار لا إنسانًا راشدًا يملك حق الاختيار والقبول والرفض.
الديمقراطية لا تعني أن نمنح الناس الأفكار التي نحبها فقط ولا أن نسمح بالرأي الذي ينسجم مع مزاج السلطة وإنما تعني أن نحتمل الاختلاف وأن نترك الأفكار تتصارع في فضاء مفتوح وأن يكون الرد على الكتاب المختلف كتاباً آخر وعلى الرأي المختلف رأياً آخر، وعلى الفكرة التي نراها خاطئة حجة أقوى منها.
والدستور العراقي في مادته الثامنة والثلاثين يكفل حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر. وهذه ليست عبارات للزينة في صفحات الدستور بل مبادئ يفترض أن تحمي المجال العام من التعسف وأن تجعل تقييد الحريات استثناءاً يحتاج إلى سند قانوني واضح لا إلى قرار غامض أو تفسير غير معلن.
والمفارقة أن المعرض نفسه يمكن أن يحتفي بكتب تنتقد السلطة وتناقش عنفها وتضع رجال الدين والمؤسسات السياسية أمام أسئلة قاسية بينما يُمنع كتاب آخر لأنه يفتح ملفاً من ملفات الدين والمجتمع العراقي. وهنا لا يعود السؤال.. لماذا اختلفنا مع هذا الكتاب؟ بل يصبح السؤال الأهم.. لماذا لم نسمح له بأن يدخل ساحة الاختلاف أصلاً؟
فالكتاب الذي نختلف معه لا ينبغي أن يكون عدواً. والصفحة التي تزعجنا لا ينبغي أن تتحول تلقائياً إلى صفحة محظورة. والفكرة التي نراها خاطئة لا تحتاج إلى مصادرة بل تحتاج إلى قارئ يرد عليها وباحث يفندها ومثقف يناقشها ومؤسسة تمتلك الشجاعة لتترك الحقيقة في ميدان الحوار.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمعات ليس أن تنتشر فيها الأفكار المختلفة بل أن تتحول الرقابة إلى وصاية على العقول وأن يصبح الخوف من السؤال أكبر من الخوف من الخطأ. فالأفكار لا تموت بالمصادرة بل قد تصبح أكثر حضوراً حين تُمنع لأن المنع يمنحها حياة أخرى في الذاكرة والأسئلة والفضول.
ولهذا فإن قضية الكتاب المصادَر لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حادثة ثقافية عابرة في معرض للكتاب وإنما بوصفها اختباراً حقيقياً لمفهوم الدولة المدنية ولسيادة القانون ولقدرة المؤسسات على احترام الاختلاف.
لقد انتقلنا نظرياً من زمن كانت فيه السلطة تفرض ما يجب أن يُكتب ويُقرأ إلى زمن يفترض أن تكون فيه حرية التعبير حقاً مصاناً. لكن الديمقراطية لا تُقاس بتغيير أسماء الأنظمة ولا بتعدد المؤسسات ولا بعدد الصناديق الانتخابية بل تُقاس بقدرتنا على حماية المختلف وعلى السماح للكاتب بأن يقول ما يعتقد وللقارئ بأن يقرر بنفسه ماذا يصدق وماذا يرفض.
نحن لا نحتاج إلى دولة تخبرنا ماذا نفكر، بل إلى دولة تضمن لنا الحق في أن نفكر. ولا نحتاج إلى لجان تحرس عقولنا من الكتب بل إلى مؤسسات تحرس الكتب من التعسف.
فإذا كان الأمس قد علَمنا أن الدكتاتورية تبدأ حين تخاف السلطة من الكلمة فإن الحاضر مطالب بأن يثبت أن الديمقراطية لا تنتهي عند سقوط الدكتاتور بل تبدأ حين يصبح اختلاف الكاتب حقاً وحرية القارئ مسؤولية والكتاب مهما كان مزعجاً مجرد كتاب.
وحين يُمنع كتاب من الكلام لا يصمت السؤال وحين تُغلق صفحة تبدأ صفحات أخرى بالبحث عن السبب.
ويبقى السؤال معلقًا فوق رفوف معرض الكتاب.. إذا كانت الديمقراطية قد جاءت لتحرر العقل فلماذا ما زالت بعض العقول تُعامل وكأنها تحتاج إلى رقيب؟..