🛑فرجال...news
قراءة في دلالات الخطاب السياسي والتزامات الحكومة أمام الدستور والشعب
خبير استراتيجي في الاقتصاد السياسي والشؤون الاستراتيجية
عندما يقول رئيس الوزراء علي الزيدي: «نريد نسولف شوية قبل لا نكعد القسم»، فإن العبارة، بما تحمله من بساطة محكية، تفتح باباً لقراءة سياسية تتجاوز ظاهر الكلمات إلى دلالات اللحظة الدستورية وما تفرضه من مسؤوليات. غير أن التقييم الدقيق يقتضي وضع التصريح في سياقه الكامل، والتمييز بين دلالة العبارة كما وردت وبين ما يمكن استنتاجه سياسياً منها.
فالقسم الدستوري ليس إجراءً بروتوكولياً يُستكمل ضمن مراسم انتقال السلطة، بل هو إعلان التزام علني بالدستور، واحترام مؤسسات الدولة، وصيانة الحقوق والحريات، وتحمل الأمانة الوطنية أمام الشعب. ومن هنا، فإن قيمة القسم لا تُقاس بفصاحة الكلمات أو رمزية المشهد، بل بمدى تحوّله إلى نهج حكومي ملموس في إدارة الدولة وصناعة القرار.
وفي الحالة العراقية، تكتسب هذه المسؤولية أهمية مضاعفة؛ لأن التحديات المتراكمة لا تمنح الحكومة رفاهية الاكتفاء بالوعود، بل تضعها أمام اختبار القدرة على فرض القانون، وحماية المال العام، وترسيخ سيادة الدولة، وتحسين الخدمات، وتحويل الموارد الوطنية إلى فرص تنموية مستدامة. وقد أعلن الزيدي توجهات تتصل بحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز المؤسسات الدستورية، وهي ملفات ستُقاس جديتها بمدى التنفيذ والنتائج المتحققة.
ومن منظور استراتيجي، فإن الحديث قبل القسم، إذا عُدَّ مدخلاً للتفاهم وتوحيد الرؤية، ينبغي أن يؤسس لبرنامج حكومي واضح، تتكامل فيه الإرادة السياسية مع الكفاءة الإدارية والرقابة البرلمانية والمساءلة القانونية. فالدولة لا تُدار بالنيات وحدها، وإنما بالمؤسسات الفاعلة، والقرارات المنضبطة، والقدرة على تحقيق التوازن بين الاستقرار السياسي والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.
إن القسم الدستوري ليس نهاية مفاوضات تشكيل الحكومة، بل بداية امتحانها الحقيقي. ومن هنا، فإن الرهان على حكومة الزيدي لا ينبغي أن يُبنى على قراءة العبارات وحدها، بل على قدرتها على ترجمة الالتزامات إلى إنجازات، والوعود إلى سياسات، والثقة الشعبية إلى عقد مسؤولية متبادل.
فالعراق يحتاج إلى حكومة تجعل الدستور مرجعاً للقرار، والمواطن غايةً للسياسة، والمصلحة الوطنية بوصلةً لا تحيد.