🛑فرجال... news
بقلم: المستشار الدكتور ثامر الناصري
منذ عام 2003 وحتى اليوم، تتوالى الأخبار عن مسؤولين ونواب ووزراء ورؤساء هيئات، بين اتهامات بالفساد، وملفات نزاهة، وأحكام بالسجن، وقضايا تتعلق بالرشوة والثراء غير المبرر. وهنا يبرز سؤال لا بد أن نطرحه بصدق: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ وأين كانت الرقابة طوال هذه السنوات؟
هل يعقل أن يحتاج العراق، بكل تاريخه الحضاري ومكانته الإنسانية، إلى انتظار رئيس وزراء جديد، السيد علي الزيدي، حتى يبدأ ضمير الدولة بالاستيقاظ، وتظهر ملفات الفساد إلى العلن؟ مع التمنيات له بالتوفيق في خدمة العراق، فإن محاربة الفساد ليست فضلًا لشخص، بل واجب دائم على كل حكومة ومؤسسة ومسؤول.
والسؤال الأعمق: لماذا لا يكون ضمير المسؤول هو الرقيب الأول عليه؟ ولماذا لا تكون النزاهة سلوكًا يوميًا، لا إجراءً يأتي بعد ضياع المال العام؟
ثم كيف نفهم أن يتحول بعض الأشخاص، ممن لا نعرف لهم صلة واضحة بالتعليم أو الخبرة الأكاديمية أو الاستثمار المنتج، خلال سنوات قليلة، إلى أصحاب ثروات ومؤسسات جامعية فارهة؟ من أين جاءت هذه الأموال؟ وما مصادرها؟ ومن يراقب سلامة الاستثمار في قطاع التعليم؟ إن الجامعة ليست واجهة للثراء، بل رسالة علمية وأخلاقية، وأي شبهة تحيط بتمويلها أو إدارتها تسيء إلى العلم قبل أن تسيء إلى أصحابها.
إن العراق لا يحتاج إلى مبانٍ فخمة تحمل أسماء الجامعات بقدر حاجته إلى تعليم رصين، ومستشفيات تحفظ كرامة الإنسان، وقضاء عادل لا يميّز بين صاحب نفوذ ومواطن بسيط.
فالدول لا تنهض بالثروة وحدها، ولا تستقيم بالسلطة وحدها؛ إنما تنهض بثلاث ركائز لا غنى عنها: التعليم، والصحة، والعدالة.
ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا أمام كل حكومة وكل مسؤول هو: من أين جاءت الثروة؟ أين ذهبت أموال الدولة؟ ومن يحاسب من؟ وهل نريد دولة تلاحق الفساد بعد وقوعه، أم دولة تمنعه قبل أن يصبح ثقافة ومؤسسة ونفوذًا؟
العراق أعرق من أن يُختزل في ملفات فساد، وأعظم من أن يبقى أسير دورات الاتهام والمحاسبة المتأخرة. إنه يستحق دولة يكون فيها الضمير قبل المنصب، والقانون فوق الجميع، والعلم أمانة لا تجارة، وصحة المواطن حقًا لا امتيازًا.
فالعراق لا يحتاج إلى من يوقظ ضميره كل بضع سنوات؛ العراق يحتاج إلى مؤسسات لا تنام، وقانون لا يتعطل، ومسؤول يعرف أن المنصب أمانة، وأن المال العام حق للأجيال، وأن التاريخ لا يرحم من يبدّد مستقبل وطنه ..