🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
في منعطف تاريخي هو الأكثر جرأة في المشهد السياسي والأمني العراقي منذ عام 2003 جاءت التصريحات الصادرة عن مستشار رئيس الوزراء العراقي لتزلزل أركان الخطاب الدبلوماسي التقليدي.
لم تكن هذه التصريحات مجرد مواقف عابرة أو تسريبات للاستهلاك المحلي، بل مثلت تحولاً راديكالياً لا لبس فيه في لغة بغداد الرسمية تجاه طهران؛ انتقال صريح من الدبلوماسية الحذرة والمواربة السياسية إلى الصراحة المطلقة، وتسمية الأشياء بمسمياتها دون أي مجاملة سياسية.
إن هذه المكاشفة تضع النقاط على الحروف وتطرح السؤال الأشد إلحاحاً وتعقيداً في الشارع السياسي: هل ستمتلك حكومة علي الزيدي مقومات القدرة والأدوات الواقعية لجعل طهران خارج قوس قراراتها السيادية؟ وكيف يمكن لشخصية قادمة من رحم (الإطار التنسيقي) الذي يهيمن عليه حلفاء طهران وقادتها التقليديون كنوري المالكي وغيرهم أن يتجاوز صانعي صعوده ويمارس سيادة مطلقة؟
أولاًـ كشف المستور على الحدود وضبط معابر الإمداد..
طالما شكل الشريط الحدودي الممتد بين العراق وإيران (والذي يتجاوز 1400 كيلومتر) ثقباً أسود في منظومة الأمن القومي العراقي. فعلى مدار سنوات طويلة، ظلت هذه الحدود شرياناً مفتوحاً لتواجد عابر للحدود بعيداً عن السلطة الاتحادية، وممراً غير منضبط استخدمته الأذرع الإقليمية لفرض معادلات الأمر الواقع.
غير أن الاتهام الرسمي والمباشر الذي وجهته بغداد لطهران بالتسبب في (فوضى عارمة على الحدود)وإدخال شخصيات تابعة لها بطرق غير رسمية يمثل وضعاً للإصبع على الجرح النازف. هذا التشخيص الجريء يفسر بوضوح الخلفيات الأمنية للتحركات العاجلة التي أقدم عليها رئيس الوزراء علي الزيدي وفي مقدمتها القرارات الصارمة بإغلاق مكاتب الجهات غير العراقية في بغداد (مثل مكاتب الحوثيين) وترحيل العناصر التي دخلت البلاد بأساليب غير شرعية.
إن رسالة بغداد اليوم باتت واضحة لا يمكن لأي مشروع بناء دولة مؤسسات حقيقية أن يتعايش مع ممرات سريّة أو حدود مخترقة. إن ضبط الحدود لم يعد ترفاً بل هو الشرط الأساسي لوجود الدولة بحد ذاتها، والخطوة الأولى نحو تصفية عقيدة (الساحات المفتوحة).
ثانياًـ الاقتصاد والمخدرات كأدوات استنزاف ممنهج..
لم تتوقف المكاشفة الحكومية عند الحدود والأبعاد الأمنية، بل اخترقت الجدران السميكة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يكتوي بها الشارع العراقي.
فالإشارة الصريحة إلى أن (طهران تعمدت تخريب الاقتصاد العراقي وتهريب المخدرات) تُعد نسفاً جذرياً للرواية الكلاسيكية التي روجت لها الفصائل وشبكات النفوذ لسنوات بأن العلاقة الاقتصادية تقوم على (التكامل والمساعدة).
تعلن بغداد جهاراً أن سياسات إغراق السوق العراقية، وتدمير البنى التحتية للإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة وتدفق السموم المخدرة عبر المعابر، لم تكن مجرد اختلالات عرضية أو أعمال عصابات تهريب منفردة بل كانت سياسة استنزاف ممنهجة تهدف إلى
إبقاء العراق سوقاً استهلاكية تابعة بالكامل للاقتصادات المجاورة وعاجزة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي.
تفكيك النسيج الاجتماعي العراقي وتخريب عموده الفقري (الشباب) عبر سلاح المخدرات المنظم.
تقويض أي محاولة وطنية لإصلاح النظام المالي والنقدي وحرمان الخزينة العامة من مواردها السيادية.
ثالثاًـ السيطرة الإلكترونية والتنويع الاستراتيجي للسيادة
في عالم اليوم لم تعد السيادة تختزل في الحضور العسكري التقليدي فحسب بل تمتد لتشمل الفضاء الرقمي والمراقبة التقنية الذكية.
من هنا تكتسب المطالبة الحكومية بفرض (السيطرة الإلكترونية والمراقبة الرقمية الصارمة على كافة المنافذ الحدودية مع إيران) أهمية استراتيجية بالغة.
هذا التوجه الأمني يتقاطع بشكل وثيق مع مسارات التكامل الاقتصادي التي تسعى بغداد لنسجها مؤخراً مع المحيط العربي والإقليمي (كالترانزيت ومشاريع الطاقة والتجارة البينية).
إن حلم العراق في أن يتحول إلى مركز تنموي وممر تجاري لا يمكن أن يتحقق في ظل حدود مستباحة تخضع لمزاجية الميليشيات وشبكات التهريب.
ــ المعادلة الحتمية لا بيئة آمنة للاستثمار ولا تنمية دون بسط الدولة سيطرتها الكاملة على كل سنتيمتر من منافذها البرية والبحرية.
ــالتحول الرقمي الانتقال من إدارة الحدود بالأعراف والولاءات السياسية إلى إدارتها بالتكنولوجيا والسيادة القانونية الصارمة.
رابعاًـ الإشكالية المعقدة.. هل يستطيع الزيدي الخروج من جلباب الإطار التنسيقي؟
تتجسد المعضلة الأكبر والأعمق في كُنْهِ المعادلة السياسية العراقية كيف لرئيس وزراء جاء عبر تسوية داخل (الإطار التنسيقي)— الكتلة الشيعية الأكثر قرباً لطهران بقيادة شخصيات نافذة كنوري المالكي وقادة الفصائل — أن يقود تحولاً يضع إيران خارج قوس القرار الوطني؟
لتحليل مدى واقعية وقدرة حكومة الزيدي على تطبيق هذا التوجه التاريخي يجب تفكيك العوامل بين موانع سياسية مكبلة وفرص ومحفزات سيادية جديدة:
1_كوابح التغيير ومخاطر الصدام الداخلي..
شبكات النفوذ في مفاصل الدولة.. إن القوى الحليفة لطهران داخل الإطار التنسيقي لا تمسك فقط بالقرار السياسي بل تمتلك امتدادات عميقة داخل المؤسسات الأمنية والاقتصادية والهيئات المستقلة، ما يجعل تجريد طهران من أدواتها أمراً يواجه مقاومة شراسة من الداخل.
الورقة البرلمانية وتكلفة السحب.. يمتلك المالكي وحلفاؤه الأغلبية العددية التي جاءت بالزيدي إلى المنصب. وبالتالي فإن أي مساس جوهري بالأصول الاستراتيجية لإيران في العراق قد يدفع هذه القوى لإشهار سلاح (سحب الثقة) أو تعطيل القوانين والتشريعات الحكومية.
سلاح الفصائل المسلحة.. حصر السلاح ومنع التهريب يمس الموارد المالية واللوجستية المباشرة لبعض الفصائل، وهو ما قد يدفع باتجاه تصعيد أمني لإحراج الحكومة وتفريغ قراراتها من محتواها.
2_ محفزات النجاح وهامش المناورة المتاح للزيدي:
ظاهرة (انقلاب الصانع على الصنيعة).. تاريخ السياسة العراقية بعد 2003 يثبت أن رئيس الوزراء، وبمجرد جلوسه على كرسي السلطة وتوليه قيادة القوات المسلحة وإدارة المال العام، يكتسب شرعية دولة وقوة تنفيذية تمكنه من خلق هامش استقلالية متزايد عن الكتل التي رشحته، مستفيداً من الدعم الشعبي والمؤسسي.
_التغير في موازين الإقليم..
تمر طهران اليوم بضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة وتراجع في هامش مناورتها الخارجي مما يمنح بغداد فرصة تاريخية لاستعادة التوازن والتحرك بحرية أكبر دون الخوف من ردود فعل حاسمة كما في السابق.
_الغطاء العربي والدولي.. تحرك الزيدي نحو بناء شراكات استراتيجية مع المحيط العربي والتنسيق مع القوى الدولية يوفر لحكومته مظلة حماية وازنة ورصيداً اقتصادياً يُغني بغداد عن الارتهان للجانب الإيراني.
_الحاجة الشديدة للاستقرار والتنمية.. تدرك حتى قيادات الإطار التنسيقي أن بقاء الفوضى واستمرار غضب الشارع وتدهور الاقتصاد يهدد النظام السياسي برمنه. لذلك، قد تتغاضى بعض أطراف الإطار عن خطوات الحكومة لضبط الحدود والاقتصاد كضرورة لضمان بقاء النظام ككل.
واخيراً سيناريو السيادة المشروطة وإعادة رسم الخطوط الحمراء
إن حكومة علي الزيدي لن تتمكن من طرد النفوذ الإيراني ‘‘بضربة قاضية‘‘ أو بقطيعة فجائية بالنظر إلى توازنات القوة القائمة داخل الإطار التنسيقي لكنها تستطيع بل وبدأت بالفعل في فرض معادلة (السيادة المشروطة وقواعد الاشتباك الجديدة).
إن الموقف الحكومي الأخير يعلن بوضوح أن الزيدي قرر استغلال لحظة الضعف الإقليمي وتحول التوازنات الدولية لانتزاع قرار الدولة تدريجياً. إنه لا يخوض حرباً لإلغاء وجود إيران الجغرافي بل يخوض معركة لتقليم أدوات الاستباحة (من تهريب وسلاح منفلت وهيمنة اقتصادية غير متكافئة )وتحويل العلاقة من فرض إرادة طرف واحد إلى علاقة دولة بدولة.
لقد وجهت بغداد الرسالة الأهم في تاريخها الحديث أن تترشح عبر الإطار التنسيقي شيء وأن تدير دولة بحجم العراق وسيادتها شيء آخر تماماً.
إن زمن الصمت قد انتهى ومعركة استعادة القرار الوطني قد بدأت ونجاحها مرهون بمدى ثبات الحكومة على خطواتها واستنادها إلى الشارع ومؤسسات الدولة الرسمية..