🛑فرجال... news
يقف العراق أمام استحقاق تشريعي بالغ الأهمية مع اقتراب مشروع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات من التصويت في مجلس النواب ، وهو مشروع يتجاوز في تأثيراته حدود تنظيم الفضاء الإلكتروني ، ليمسّ علاقة الدولة بالمجتمع ، وحق المواطن في التعبير عن رأيه ، وواجب المؤسسات في حماية الأمن الوطني وخصوصية الأفراد ..
لقد أفرزت الثورة الرقمية أنماطاً جديدة من الجرائم والاعتداءات ، من الابتزاز الإلكتروني والاحتيال وسرقة البيانات وانتهاك الحياة الخاصة ، إلى اختراق الأنظمة وتسريب الوثائق الحكومية والعسكرية السرية .. وهي جرائم لا يمكن للدولة أن تتجاهلها ، ولا يجوز أن تترك ضحاياها من دون حماية قانونية رادعة ..
لكنّ الحاجة إلى مكافحة هذه الجرائم لا تعني أنّ كل نص تشريعي يرفع شعار مكافحتها يصبح بمنأى عن المراجعة والنقد .. فالقانون الذي ينظم الفضاء الرقمي ينبغي أن يحمي المجتمع من الجريمة ، من دون أن يتحول إلى وسيلة لتقييد حرية الرأي أو التضييق على الصحافة أو ملاحقة المواطنين بسبب انتقادهم أداء المسؤولين ومؤسسات الدولة ..
ومن هنا نشأ الجدل الواسع حول مشروع القانون المطروح أمام مجلس النواب العراقي .. فبينما يرى مؤيدوه أنّ العراق بحاجة إلى تشريع يواكب التطور التقني ويحمي المواطنين ومؤسسات الدولة من الاعتداءات الإلكترونية ، يحذر معارضوه من أن بعض الصياغات والتعريفات والعقوبات قد تفتح الباب أمام تفسيرات واسعة تمسّ الحريات التي كفلها الدستور .. فليس من الإنصاف أن نضع جميع المعترضين على القانون في خانة واحدة ، أو أن نتهم جميع مؤيديه بالتضييق على الحريات .. فالقضية أكبر من ذلك ، وتحتاج إلى مناقشة موضوعية تفصل بين ضرورة مكافحة الجريمة وسلامة الوسائل القانونية المستخدمة لتحقيق هذه الغاية ..
إنّ المادة 38 من الدستور العراقي كفلت حرية التعبير عن الرأي والصحافة والإعلام والنشر ، فيما تفرض مسؤولية الدولة حماية المواطنين من الابتزاز والاحتيال والاعتداء على خصوصياتهم .. والتحدي التشريعي الحقيقي هو الجمع بين هذين الواجبين ، لا التضحية بأحدهما تحت ذريعة حماية الآخر .. كما أنّ حماية أسرار الدولة ، ولا سيما الوثائق العسكرية والأمنية التي قد يؤدي كشفها بصورة غير مشروعة إلى الإضرار بالأمن الوطني ، تمثل واجباً أساسياً .. لكن هذه الحماية ينبغي أن تقوم على تعريف دقيق للمعلومات السرية ، وتحديد واضح لأفعال الإفشاء المحظورة ، مع التمييز بين التسريب الذي يهدد الأمن الوطني والنشر المشروع الذي يكشف الفساد أو المخالفات الإدارية ..
والأمر ذاته ينطبق على حماية الخصوصية ، فمكافحة الابتزاز وانتهاك الحياة الخاصة ضرورة لا خلاف عليها ، لكن يجب ألا تصبح الخصوصية ذريعة لمنع الكشف عن معلومات موثقة تتعلق بالمصلحة العامة ، أو لحماية المسؤولين من النقد المشروع ..
لهذا فإنّ الحكم على مشروع القانون لا ينبغي أن يستند إلى عنوانه أو الأهداف المعلنة وراءه ، بل إلى نصوصه الفعلية ، كيف عرّف الجرائم ؟ وما الأفعال التي وضعها تحت طائلة العقاب ؟ وهل تتناسب العقوبات مع خطورة الأفعال ؟ وما الضمانات التي تمنع إساءة استخدام القانون ؟ إننا لا ندعو إلى رفض القانون لمجرد وجود اعتراضات عليه ، كما لا ندعو إلى إقراره من دون تمحيص ، بل ندعو إلى قراءة تشريعية مسؤولة ، تميز بين المواد الضرورية لحماية المجتمع والدولة ، والمواد التي تحتاج إلى تعديل أو ضبط ، وتلك التي قد تثير إشكالات دستورية تستوجب المعالجة قبل التصويت ..
وفي هذه السلسلة ، سنضع مشروع القانون أمام الرأي العام العراقي ، ونناقش مواده واحدةً بعد أخرى ، ونحدد إيجابياتها وسلبياتها ، وما تحتاج إليه من تعديلات وضمانات ، مستندين إلى النصوص القانونية والدستور ، بعيداً عن التهويل والتسطيح والأحكام المسبقة ..
فالعراق بحاجة إلى قانون يحمي مواطنيه من الجريمة الإلكترونية ، ويحمي أسرار الدولة من التسريب غير المشروع ، لكنه بحاجة بالقدر نفسه إلى ضمانات تصون حرية التعبير وتحمي الصحافة من أي تفسير تعسفي للنصوص القانونية .. وهذه ليست أهدافاً متعارضة ، بل مسؤوليات ينبغي أن يجمعها تشريع عادل ودقيق ..